حيدر حب الله
385
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
موقف المشرّع تعالى فيه ، وعملية الكشف عن موقفه لتحديد درجة الأهميّة ليس أمراً سهلًا ، ومكامن خطأ الكثيرين في تطبيق قانون المصلحة اليوم وقبل اليوم هي في هذه النقطة بالذات . لقد بذل الفقهاء المسلمون جهداً في تحديد مستويات التشريعات من حيث الأهميّة وغيرها ، وكان أكثر من ركّز على هذا الموضوع هم أنصار الفقه المقاصدي المؤيّدين لنظريات الإمام الشاطبي ( 790 ه - ) في الاجتهاد الشرعي ، لكن في كثير من الأحيان نحن نواجه استحسانات واستنسابات شخصية في هذا الأمر ، لا تقوم على أدلّة مقنعة ، كما أنّ تحديد عنصر الأهميّة هذا يختلف تبعاً لمناهج الاجتهاد وقراءات المفكّرين والمجتهدين ، وهذا ما يؤكّد أنّه أمر ليس بالبسيط أو بالعابر . سأعطي مثالًا بسيطاً ، هل الأمّة هي الأهمّ أم الدولة ؟ للوهلة الأولى قد يبدو هذا السؤال بسيطاً ، لكننا نجد اختلافات عميقة فيه اليوم ، فبعضهم يعطي القداسة للنظام الإسلامي ، وبعضهم لا يعطيه القداسة بل يعطيها للأمّة ، فالأمّة هي الغاية لا الدولة ، والدولة ليست سوى وسائل لخدمة الأمّة . وهناك عشرات الأمثلة الصغيرة والكبيرة لهذا الموضوع الذي يؤكّد لنا أنّنا بحاجة إلى مناهج عميقة لدراسة معايير الأهميّة بين التشريعات وتمييز الوسائل عن الغايات تمهيداً لتطبيق قوانين التزاحم . وهذا ما يفرض اليوم فتح باب في أصول الفقه الإسلامي أو علم القواعد الفقهية يدور حول فقه التمييز بين الغايات والوسائل . وعليه ، فإنّ قانون التزاحم في التشريع الإسلامي يختلف أيضاً عن قانون الغاية تبرّر الوسيلة ، من حيث إنّه في قانون الغاية تبرّر الوسيلة يكون العقل